هذه المدونه ليست موقعا يؤرخ لأديبنا العظيم نجيب محفوظ ويسرد سيرته و يعدد أعماله وجوائزه .. انما هي مجموعه من المقالات المتنوعه لعدد من الكتاب المختلفين تعكس بين سطورها محفوظ الأنسان .. أراءه في الحياه .. جوانب من فكره المستنير و ذكرياته حتى أحلامه التي تنبض حكمه .. هذه المدونه تحية حب للرجل الذي أنار لي بفكره وشخصيته الفذه أ بعادا جديده في الحياه لم أكن لأعرفها لولاه .. صدق الفنان نورالشريف عندما قال في احد المقالات .. أنا مؤمن أن الناس لن يدركوا قيمة محفوظ الحقيقية إلا بعد خمسين سنة من الآن، لان كل ما يقال عنه حاليا لا يفيه حقه ككاتب. وحتى تحب نجيب محفوظ فعليك التعامل معه كشيخ طريقة وليس مجرد أديب

انه نجيب محفوظ‏..‏ واحد من اولئك البشر الذين ما ان يصادفهم المرء حتي تكتسب حروف الكلمات بشاشه ودفئا‏..‏ فالرجل الذي احتفي به العالم كله وسلطت عليه الاضواء كما لم تسلط علي اديب مصري من قبل‏,‏ واطلق عليه النقاد الاجانب القابا من قبيل بلزاك مصر وتشيكوف العرب وزولا النيل‏,‏ والذي طور شكل ولغه الفن الروائي العربي لم ينتبه الغرور قط ولم يغير من عاداته اليوميه ولا جولاته في شوارع المحروسه‏,‏ وعلي شاطيء نيلها بعد فوزه بجائزه نوبل او عقب تلقيه للتهديدات بالاغتيال عقب ان كفره شيوخ الارهاب‏..‏ ظل نجيب محفوظ بدماثه خلقه وادبه الجم وتواضعه الشديد يدا ممدوده مرحبه وهامه جليله‏,‏ ووجها سمحا ينحني قليلا للامام عند مصافحته لاي شخص او عند مجاهدته لالتقاط الحروف المتلاحقه علي شفاه الاخرين‏..
‏
سناء صليحه
ثقافه و فنون

11‏/09‏/2011

تذكير ضرورى.. فى ذكرى محفوظ


لقد مرت ذكرى رحيل نجيب محفوظ دون احتفاء يذكر، فمصر الآن مشغولة بما يدور فيها
بعد ثورة عارمة كتلك التى بدأ بها حياته صبيا، وعاش يلهج بالثناء عليها طيلة حياته، أعنى ثورة 1919. مصر الآن غارقة فى بلبال ثورة 25 يناير التى تجسدت فيها القيم النبيلة التى أمضى عمره فى تكريسها والذود عنها فى أعماله الإبداعية، والتحذير من العواقب الوخيمة لغيابها: قيم الحق والخير والعدل الاجتماعى والحرية والكرامة الإنسانية. وهى القيم التى انطلقت منها شعارات الثورة الأساسية: كرامة، حرية، عدالة اجتماعية. لذلك فإن التذكير بنجيب محفوظ وبمسيرته فى ذكراه الخامسة ضرورى، فما أشبه الليلة وتكاثف الظلمات فى أفقها بالبارحة. إنه ضرورى فى زمن يملأ فيه كل من أفتى أحد تياراتهم (وقد تنوعت الآن وتعددت) بقتله الصحف والقنوات التليفزيونية ليل نهار بخطاب طويل عريض يستهدف الالتفاف على رقبة الثورة حتى خنقها. ضرورى كى نستخلص دروس ما جرى له، ونستفيد منها فى مواجهتنا الشرسة لأعداء الثورة الذين رفعوا رايات السعودية فى ميدان التحرير، بينما يرفع الثوار رايات مصر فى إسبانيا واليونان. ضرورى فى مواجهة من يطالبون الآن «الولايات المتحدة» (كذا: صدق أو لاتصدق، بل اضحك ملء شدقيك) بالإفراج عمن أصدر الفتوى التى قادت للاعتداء الآثم عليه. وإذا كان نجيب محفوظ قد عانى من أعداء قيم العقل والعدل والحرية، فإن الثورة الآن تعانى هى الأخرى من الذين لم يشاركوا فيها، ويسعون الآن للانقضاض عليها، واقتطاف ثمارها. إننا الآن فى أشد الحاجة إلى تذكر سيرة الرجل وما جره عليه حبه الدائم لليبرالية والعلمانية والعقلانية وغيرها من القيم التى تعانى الآن من هجمة شرسة من قوى التخلف والظلام المدعومة بأموال النفط، وأفكار الوهابيين، وسموم المؤامرات الأمريكية وفرانكشتاينها
بقلم:
صبرى حافظ

12‏/12‏/2010

حكمة الحياة ... كتاب يلخص فلسفة نجيب محفوظ


تتعدد التفسيرات النقدية لآراء وأعمال الروائي المصري نجيب محفوظ وفقا لأيدولوجيات النقاد وميولهم التي ربما ذهبت بعيدا عن النص وحملته ما لا يحتمل، ولهذا تظل الأعمال نفسها هي الفيصل لمن أراد معرفة فلسفة الكاتب الذي ما يزال العربي الوحيد الحاصل على جائزة نوبل في الآداب

الكتاب

ويكتسب كتاب "حكمة الحياة.. مختارات وحكم وتأملات من أعمال نجيب محفوظ" أهميته من إنعاش ذاكرة قارئ مضى عليه زمن لم يُعد فيه قراءة أعمال محفوظ، كما يلخص فلسفته لمن لم تتح له فرصة قراءة أعماله الغزيرة التي تزيد على خمسين رواية ومجموعة قصصية

يرى محفوظ أن الدين عظيم لكن حياتنا وثنية، ويشير إلى أن الدنيا بلا أخلاق ككون بلا جاذبية، ويؤكد أن الحياة بحاجة إلى جرعات من التصوف وبغير ذلك لا تصفو الحياة

والقيمة الأبرز للكتاب الذي أعدته المصرية علية سرور أنه يقرب المسافة بين أعمال محفوظ والقارئ، وهي مسافة ربما تصنعها تأويلات لا يكون المؤلف بالضرورة مسؤولا عنها، لكن بعض القراء يحملونه نتائجها

ويقع الكتاب في 152 صفحة صغيرة القطع وصدر عن دار الشروق في القاهرة بمقدمة لنجيب محفوظ قال فيها "إن الكتاب ملخص مثير لأفكاري ونظرتي إلى العالم على مدى ستين عاما من الكتابة".

الحرية ومعنى السعادة

ويبرز إيمان محفوظ (1911-2006) بقيم عليا أولها الحرية والمساواة، فيقول في "أصداء السيرة الذاتية" التي كتبها في تسعينيات القرن الماضي إن "أقرب ما يكون الإنسان إلى ربه وهو يمارس حريته بالحق

وتبدو قيمة التسامح في أقوال كثيرة منها "عسى أن يختلف اثنان وكلاهما على حق كما جاء في رواية ميرامار

وعن رحلة الحياة يقول في رواية الحرافيش التي ألفها عام 1977 إن السعداء حقا من لا يعرفون الشيخوخة

الطابع الرمزي

اكتشف محفوظ بعد سبع سنوات من ثورة 1952 أن للواقع
الجديد أخطاءه، فكتب رواية "أولاد حارتنا" وما تلاها من أعمال ذات طابع رمزي يجسد فيها فلسفة الشك والبحث عن يقين ومعنى للحياة في روايات "اللص والكلاب" و"السمان والخريف" و"الطريق والشحاذ" و"ثرثرة فوق النيل" و"ميرامار"

العيش بإيجابية

وفي "السكرية" يقول "إذا لم يكن للحياة معنى فلم لا نخلق لها معنى، ربما كان من الخطأ أن نبحث في هذه الدنيا عن معنى بينما أن مهمتنا الأولى أن نخلق هذا المعنى

وفي "ثرثرة فوق النيل" يرى أن إرادة الحياة هي التي "تجعلنا نتشبث بالحياة بالفعل ولو انتحرنا بعقولنا"

وفي رواية "يوم قتل الزعيم" يقول إن "الحياة فصول ولكل فصل مذاقه وطوبى لمن أحب الدنيا بما هي دنيا الله"

وفي "السمان والخريف" يتمنى أن تكون للإنسان أكثر من حياة "نحن في حاجة إلى أن نعود للحياة مرارا حتى نتقنها"


توقف محفوظ عن الإنتاج الأدبي لسبع سنوات عقب ثورة 1952، بعدها خبر الثورة وعرف إيجابياتها وسلبياتها، لكن القبضة الحديدية التي حكمت بها مصر آنذاك ألجأته إلى الرمز للتعبير عن أفكاره
"
مسيرة البشرية

وفي "ثرثرة فوق النيل" يستعرض محفوظ مسيرة البشرية منذ فجر التاريخ ليصل إلى أن الإنسان واجه قديما العبث وخرج منه بالدين، وهو يواجهه اليوم فكيف يخرج منه؟

ولكن محفوظ سبق أن سجل في السكرية مقولة "العلم سحر البشرية ونورها ومرشدها ومعجزاتها وهو دين المستقبل"

فلسفة الموت

ويطل الموت بإلحاح في أعمال محفوظ الذي تخرج عام 1934 في قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة الآن)

ويقول في "زقاق المدق" الصادرة عام 1947 "إن الإنسان ليعيش كثيرا في دنياه عاريا، أما عتبة القبر فلا يمكن أن يجوزها عاريا مهما كان فقره".

فالموت في رأيه ليس نهاية المطاف إلا للميت الفرد، أما بالنسبة للجماعة فيقول في "أولاد حارتنا" على لسان أحد الأبطال إن "الخوف لا يمنع من الموت ولكنه يمنع من الحياة". وفي موقف آخر يقول "لن تتاح لكم الحياة ما دمتم تخافون الموت"

وفي الرواية نفسها يكاد الكاتب يلخص ما آلت إليه الأمور قائلا إن "ديننا عظيم وحياتنا وثنية"
وهذه الازدواجية انتقدها محفوظ في كثير من أعماله إذ كان يدعو إلى دور للحياة الروحية، ففي "السمان والخريف" يقول إن "الحق أن جميع البشر في حاجة إلى جرعات من التصوف، وبغير ذلك لا تصفو الحياة". وفي "اللص والكلاب" يرى أن "الدنيا بلا أخلاق ككون بلا جاذبية

الجزيره.نت

11‏/12‏/2010

‬الرجل الذي عاش ألف سنة


‬‬ مات ولا زال حيا كآلاف الموتي الاحياء الذين قدموا للعالم أعظم الانجازات وأفضل الاختراعات والابتكارات‮ ‬،‮ ‬وهناك مليارات من الأحياء الموتي يمرون في الحياة ولا يشعر بهم أحد لأن اهتماماتهم لا تتجاوز ذواتهم‮ . ‬أما نجيب محفوظ فقد كان طيفا نادر المرور علي العقل المصري والعربي بفلسفته وحسه ووعيه وأدبه وانخراطه بمكنونات الوطن وذوبانه في جغرافيا مصر وسياحته في تاريخها‮ . ‬

وبمعني آخر فإنه رجل لا يتكرر‮ ‬،‮ ‬أو قلما يحدث أن يفلت مثله الي عالم الضوء في مصر‮ . ‬عاش حياة بسيطة أقرب في نصفها الأول الي الفقر والتقليدية‮ ‬،‮ ‬لا يدخل معارك مباشرة مع أحد ويضع جل اهتمامه في قلمه ولا يسعي لشهرة أو مال أو مكانة وانما يعلم أن تلك النجوم تأتيه مقدمة شارات‮ ‬الولاء والخضوع‮ . ‬وقد كان‮ . ‬

وفدي‮ ‬،‮ ‬ليبرالي‮ ‬،‮ ‬تقدمي‮ ‬،‮ ‬ينشد العدالة ويكره السلطة ويرفض أي سيطرة علي العقل‮ ‬،‮ ‬ويتدرج من الشك الي الالحاد الي الايمان اليقيني‮ . ‬يفتح خزائن أصدقائه وجالسيه ليترجم مصر ويقدمها الي العالم لحما ودما وأحداثا وحكايات تعبر عن واقع البلد وسكانه وحياتهم اليومية‮ . ‬هو رجل عاش وسيعيش ألف سنة مما نعد لأنه قرأ الماضي وحلل الحاضر وتنبأ بالمستقبل وقدم وصفا حقيقيا لهذا البلد‮ . ‬

حياة بسيطة وأعمال مبهرة‮ ‬

ولد نجيب محفوظ في أسرة متوسطة في القاهرة عندما كانت مستعرة بتيارات سياسية متنوعة تبحث عن أي نافذة للاستقلال والخروج من سيطرة القبضة البريطانية‮ ‬،‮ ‬وبعد عامين فقط من وفاة زعيم الشباب المحبوب مصطفي كامل‮ . ‬قضي الاديب العالمي سنواته الاولي في ظل حراك سياسي لم تشهده مصر طوال تاريخها ورأي بعينيه مظاهرات الطلبة والعمال والنساء المطالبة بالاستقلال وشاهد كيف أحب الناس سعد زغلول كما لم يحبوا أحدا في تاريخ مصر وكيف كان اسمه يطرب الاذان ويخطف القلوب‮ . ‬في جامعة القاهرة اختار محفوظ الفلسفة ليدرسها ويحرر فيها عقله من قيود الماضي واغلال الحاضر بعد سنوات قليلة من أزمة كتاب‮ »‬الاسلام ونظام الحكم‮« ‬للشيخ علي عبد الرازق‮ ‬،‮ ‬وكتاب‮ »‬في الأدب الجاهلي‮« ‬لطه حسين‮ . ‬كانت سنوات الثلاثينيات من القرن الفائت مفعمة بالحركات التحررية والافكار الرافضة للحدود والقيود وظهر مفكرون عديدون دعوا الي التغريب والالحاد واللادينية وكان الشاب اليقظ يشهد ذلك بعقل مفتوح وقلب مشتعل بالحب والنقاء‮ .

مصطفي عبيد‮_ الوفد

21‏/06‏/2010

الكرنك


في حديث لنجيب محفوظ آجراه معه الكاتب عبد العال الحمامصي وضمه في كتاب (هكذا تكلم نجيب محفوظ) يقول " أنا أنتمي أساسا لثورة يوليو ومنتم للإصلاح الزراعي والعدالة الإجتماعية وكل منجزات ثورة يوليو البناءة قريبة إلى وجداني، ولكن في نفس الوقت بجانب إنتمائي لها أتناقض معها في أمرين سلبيات الذين أفسدوها عند التطبيق من جهة، ومن جهة آخرى عدم استكمالها بالديمقراطية، لذلك أنقض الثورة من موضع الإنتماء لا من موضع الرفض، أنتقض اللصوص، أنتقد الإستبداد ...." من هنا يمكن تطبيق هذا الكلام على رواية الكرنك، فهي من الروايات السياسية التي ينتقد فيها نجيب محفوظ الثورة.
في البداية قسم نجيب محفوظ الرواية إلى 4 فصول كل فصل معنون باسم البطل الذي يدور عنه الحديث في هذا الفصل، وهذا التقسيم حسب الأشخاص أنتهجه محفوظ في كثير من رواياته إن لم يكن كلها، فهو الأسلوب المتبع في حديث الصباح والمساء، وحكايات حارتنا، وأولاد حارتنا، وغيرها.
الفصل الأول في الكرنك كان بعنوان (قرنفلة) تلك المرأة الجميلة التي تناهز الأربعين وصاحبة المقهى الذي تدور فيه الأحداث، بدأ الرواية بقوله (أهتديت إلى مقهى الكرنك)؛ لعله اختار المقهى أو كما كما يمكن أن تتوصل إليه من خلال الأحداث أنها حانة ؛ ليعبر عن عشوائية الحالة في البلاد في ذلك الوقت، وللتأكيد على هذه العشوائية قال أن الإهتداء كان (مصادفة).
في هذا الملهي حدث كثير من المواقف الغريبة التي جاءت في سياق الحكي بين قرنفلة والراوي، من هذه الأحداث قصة (عارف سليمان) موظف المالية الذي تحول إلى ساقي وراء البار يقف مترهلا أبيض الشعر، وصل لهذه الحال لأنه عشق قرنفلة إلى حد الجنون وفي نظاق الحكي ( لم تشجعه قط، ولم تكن له موارد تسمح له بالتردد الدائم على الملهى، فامتدت يده إلى إختلاس أموال الدولة .... فقدم للمحاكمة ودخل السجن...) ولم غادر السجن بعد سنوات لم يجد إلا الملهى يذهب إليه.
ثم تطرق نجيب محفوظ إلى الجدل السياسي الذي كان يدور في الشارع المصري وبين العامة، كان ذلك على لسان الأبطال في جلساتهم على المقهي.
فشرح الانطباعات الأولى عن الثورة، ( فيحكي عن عارف سليمان موظف المالية المختلس: أن له زميل وثب على غير توقع إلى وظيفة وكيل نيابة، كان ينقم على الحياة بسببه، حتى أحالته الثورة إلى المعاش فهدأ ثائره وعشق الثورة)، وجاء على لسان أحد الشيوخ رأي مخالف إلى حد ما (لم يكن الماضي-يقصد ما قبل الثورة- شرا خالصا).
ثم يشرح في سياق الأحداث أن الشباب أكثريتهم (يبدأ التاريخ بالثورة مخلفا وراءه جاهلية مرذولة غامضة، أنهم أبنائها الحقيقيين ولولاها لتشرد أغلبيتهم في الأزقة والحواري والضياع، وقد تند عنهم أصوات معارضة يسارية متطرفة أو أخوانية حذرة لكنها لا تلبث أن تضيع وسط الهدير الشامل).
في نفس الوقت يتعرض لحال إمام الفوال الجرسون وجمعة ماسح الأحذية وأمثالهم وما يعانيانه من مرارة العيش ولم يخلو منهم أحد من رواسب الذل والهزيمة والمرارة.
في هذا الفصل كان الشيطان الذي يعكر صفو الأحاديث والقلوب بينهم هو زين العابدين عبد الله، فكانت صورته أنه يشمت في حزن الآخرين، ينتهز أي فرصه لإثبات وجوده، يشكون فيه على أنه جاسوس ينقل أخبار المقهى إلى الساسة، فجاء وصفة على لسان قرنفله ( أنه يبنهب من أجل الطمع والطموح)، فلعله كان يقصد بوجود زين العابدين في المقهى الوجه السيء أو النوايا السيئة لرجال الثورة.
وجاء أيضا على لسان قرنفلة نقد لأحوال الثورة وما فعلته في الناس فتقسم الناس إلى فئات (إنهم أنواع يا عزيزي، منهم من يأخذ لضرورة العيش ولتقصير الحكومة في حقهم، ومنهم الطامحون، ومنهم من يأخذ إقتداء بالأخرين!. وبين هؤلاء وهؤلاء يجن الشباب المساكين)، وقالت أيضا رأيا سياسيا جاء كجملة إعتراضية، لكن واضح أنها تقصد الثورة (ليحيى كل من تريد له الحياة وليمت كل من تريد له الموت!).
وعادة ما تنقلب الراقصة أو الساقطة عند نجيب محفوظ إلى منبع الحكمة التي يريد بثها من خلال ما تقوله، لعل ذلك يرجع إلى أن الراقصة هي الوحيدة التي ترى الرجال على حقيقتهم الكاملة دون أي حجاب.
ثم بدأت أحداث الإعتقالات التي أصابت ثلاثة من أنشط مرتادي المقهى وجميعهم طلبة جامعة، ورغم أن جميعهم ينتمي للثورة، جرى حوار بين مرتادي المقهى ينم عن مآساة الاعتقالات (لا تحقيق ولا دفاع... لا يوجد قانون أصلا)، ثم يحكي عما يدور في الأذهان ( إننا نعيش ثورة يستوجب مسارها تلك الاستثناءات... وأنه لابد التضحية بالحرية والدين إلى حين) وربما يحاول الراوي أن يجد لها حجة أو يقنع نفسه بأن مايحدث شر لابد منه (حقا أن حياتنا تزخر بالآلام والسلبيات لكنها في جملتها ليست إلا النفايات الضرورية التي يلفظها ذلك البناء الضخم في شموخه....) بل أنه لجأ إلى التاريخ كبرهان على مايفكر فيه (هل عرفنا ما كان يعانية سكان الحارة في القاهرة عندما كان صلاح الدين يحقق انتصاره على الصلبيين؟) وليقنع الآخرين يتجه لعصر النبوة (هل تصورنا عصر النبوة في حياته اليومية والدعوة الجديدة تفرق بين الأب وابنه والخ وأخيه والأخ وأخته بالمثل ألا يستحق إنشاء دولتنا العلمية الأشتراكية الصناعية التي تملك أكبر قرة في الشرق الأوسط.. ألا تستحق أن نتحمل في سبيلها تلك الآلام؟!).
لكنه عاد بعد عدة صفحات ليقول (ترددت طويلا بين إنبهاري بالعظمة ومقتي للإرهاب والفزع ولم أدر كيف يمكن أن يتطهر من الحشرات ذلك البناء الشامخ)، وفي موضع آخر يحاول أيضا أن يقنع نفسه بأن ما يحدث لابد له من نهاية فيقول (قلت لنسي مستعيذا من ذكرياتي أن الدناصير استأثرت بالأرض ملايين السنيين ثم هلكت في ساعة من الزمان في صراع الوجود والعدم فلم يبق منها إلا هيكل أو هيكلان)
وتكرر الأعتقال لنفس الأشخاص ثلاث مرات في كل مرة يزاد حالهم سوءا وكانهم أو هم كذلك بالفعل يخضعون لعملية غسيل مخ فيخرجون غير ما دخلوا.
فبعد الإعتقال الأول (عادوا إلى المرح لكن الوجوه تغيرت أضفت على السحن غرابة فضلا عن ذبول واضح في النظرة والحيوية... وأنتشر الحذر في الجو مثل رائحة غريبة مجهولة المصدر).
وأثر الإعتقال الثاني (هزلوا كأنهم خرجوا من مجاعة، لاحت بأعينهم نظرة حزينة وساخرة ورسب في زوايا أفواههم امتعاض راسخ) وتصف قرنفلة حال عشيقها حلمي حمادة ( الذي رجع إلى حضني خيال).
وعند الإعتقال الثالث كان الأصدقاء قد اعتادوا عليه (هل نحزن لأمور تقع بانتظام مثل المشرق والمغرب؟) وجاء الإفراج عنهم إثر هزيمة يوليو 1976 ليخرجوا جميعا محطمين ومات حلمي حمادة أو بالأصح قتل، وفترت العلاقة بين زينب وإسماعيل بعد أن انتهكوا عرضها في المعتقل.
وجاءت نتيجة الهزيمة صدمة وتدهو زائد لأحوال البلاد العربية (فإذا بيوم 5 يونية يستوي في التاريخ هزيمة لقوم من العرب ونصر لقوم آخرين منهم أيضا، أنه جاء ليهتك الستر بين حقائق ضارية وليعلن حربا طويلة المدى بين العرب أنفسهم لا بينهم وبين اسرائيل فحسب)، (وكثيرا انتقلوا من مقاعد الحكم إلى أعماق السجون) ومنهم خالد صفوان مدير السجن الذي أعتقل الأصدقاء، وكان سبب عذابهم.
وهكذا انتهى الفصل الأول (قرنفلة) الذي كان بمثابة الحكاية او القصة الأساسية في الرواية ثم تجيء الفصول الثلاثة الباقية باعتبارها ماوراء الأحداث.
الفصل الثاني بعنوان (إسماعيل الشيخ)، وهو أحد الثلاثة الذين تم اعتقالهم، يحكي للراوي قصة حياته ومنشأة حتى وقت الإعتقالات، وماجعله يتشجع ويروي قصته هو تغيير الأحوال في مصر عقب النكسة، وبتغيير التاريخ يتغير القانون. يحكي إسماعيل عن معتقداته (قد عشت دهرا وأنا أظن أن التاريخ يبدأ بالثالث والعشرين من يوليو، ولم أتجه للبحث عما وراء ذلك إلا بعد النكسة)، وأنه آمن بالاشتراكية المصرية إيمانه بالدين لذلك لم يتزعزع حتى بعد ما حدث له و(لم يتخل عنها بالرغم من أنه يتمنى قطع اليد التي تطبقها).
ويحكي عن تفاصيل اعتقاله ففي المرة الأولى اتهموه بأنه منضم إلى تنظيم الإخوان والدليل طول لحيته، بالرغم من أن لحيته نمت في الفترة التي كان فيها في السجن قبل التحقيق معه، وبعد استمرار حبسه مدة لم يعلمها لأنه كان محبوسا في الظلام قيل له أنه أخذ خطأ لتشابه اسمه مع أحد المطلوبين، وفي الإعتقال الثاني أتهموه بالشيوعية وبعد تهديدة وتعذيبه وحبسة قيل له أنهم أكتشفوا برائته وهم يعتذرون ولكنهم عقدوا معه اتفاقيه أن يكون جاسوسا لهم من أجل الثورة التي يؤمن بها، لكنه لما لم يبلغ عن صديقه حلمي حمادة فتم اعتقاله للمرة الثالثة ولم يخرج إلا بعد النكسة، وبعدها بفترة بدأ يفكر جديا في الإنضام إلى الفدائيين (أفكر جادا في الإنضام إليهم، لا ترجع أهميتهم إلى أعمالهم الخارقة لكن إلى مزاياهم الفريدة التي تمخضت عنها الأحداث، أنهم يقولون لنا أن الإنسان العربي ليس كما يعتقد الكثيرون ولا كما يعتقد هو نفسه ولكنه يستطيع أن يكون معجزة في الشجاعة إذا شاء).
الفصل الثالث بعنوان (زينب دياب) تحكي فيه للراوي عن نشأتها وظروف إعتقالاتها وما نتج عنه الإعتقال من هتك عرضها وبالتالي تعرضها للانحراف فتقول ( يخيل لي أننا أمة من المنحرفين، تكاليف الحياة والهزيمة والقلق تفتت القيم ...) وشعرورها المستمر بأنها قاتلة حلمي حمادة لأنه الذي أبلغت عنه، فهي الآخرى عينوها جاسوسة إجباريا، بالرغم من كل ذلك فمازال لديها أمل في تغيير إلى الأحسن (أنها فترة كالوباء ثم تتجدد بعدها الحياة).
أما الفصل الرابع والأخير فكان بعنوان (خالد صفوان) ذلك الطاغية الذي كان السبب في عذاب كل أبطال الرواية، لم يحك خالد صفوان للراوي كما حدث في الفصول السابقة، لأنه لو حكى للراوي لن يكون في منطق أحداث الرواية، وخاصة أن الرواي لم يحتك به طيلة الحداث فقط سمع عنه، ففضل نجيب محفوظ أن يأتي خالد صفوان نفسه إلى المقهى ليشهد القاريء تدهور حالة بعد النكسة وأنه صار لا شيء، وقد مكث في السجن ثلاث سنوات وصادرت الدولة أمواله. ثم جاء على لسان خالد صفوان يصف تاريخه وحاله لرواد المقهي في كلمات موحزة:
" براءة في القرية.
وطنية في المدينة.
ثورة في الظلام.
كرسي يشع قوة غير محدودة.
عين سحرية تعري الحقائق.
عضو حي يموت.
جرثومة كامنة تدب فيها الحياة".
بهذه الكلمات القليلة استطاع نجيب محفوظ أن يصف حال رجال الثورة أو هؤلاء الذين تولوا تطبيق مبادئها، فجميعهم متمثلين في شخص خالد صفوان خرجوا من فقر القرية وجهل أهلها الذي يصل لحد براءة الأطفال من كل علم، ثم الإنتقال إلى المدينة منبهرا بمعنى الوطن الكبير ومنبهرا بمن يرددون الشعارات الوطنية حتى ينخرطون في الثورة ليصبحون من صانعيها ويحتلوا بعد ذلك كرسي العرش بالتالي لهم كل السلطات على إطلاقها، ليتخيلوا أنفسهم آلهة أو سحرة يرون ما لا يراه الآخرون، فتموت قلوبهم ويتحولون إلى شياطين تحرق كل من يقترب منهم ولو بكلمة.
وعندما يجد القاري تردد خالد صفوان على المقهى يتسائل بضع أسئلة منطقية عن سبب عودته ولماذا لم يختر مكانا آخر لينتظر فيه؟ أهو التحدي أو الاستعطاف أم ثمة قوة خفية آخرى، نجد نجيب محفوظ يبادر بطرح هذه الأسئلة قبل أن يداهمه بها القاريء أو يتهمه بالتقصير في طرح الأحداث.
ثم قدم نجيب محفوظ تفسيرا لمجريات الأمور بعد 15 عاما من قيام الثورة، ولكن ذكاء الطرح أنه جاء على لسان خالد صفوان باعتباره أحد رجال السلطة وقتئذ: (يوجد في وطننا دينيون، هؤلاء يهمهم قبل كل شيء أن يسيطر الدين على الحياة، فلسفة وسياسة وأخلاقا واقتصادا، وهم يرفضون التسليم للعدو ويأبون المفاوضه معه ولا يرضون عن الحل السلمي إلا ما يحقق لهم النصر نفسه، أو انهم ينادون بالجهاد؟...... وقد يقبلون السلاح الروسي وهم يلعنون الروس وبشرط أن يجيء بدون شرط أو قيد، ولعلهم يفضلون حلا سلميا مشرفا يتحقق بتدخل امريكا وينهي علاقتنا بروسيا الشيوعية نهائيا).
(ويوجد يمينيون من نوع خاص، يتمنون التحالف مع أمريكا وقطع العلاقات مع روسيا ويرضون بحل سلمي مع تنازلات لابد منها ثم يحلمون بالتخلص من النظام الحالي، والعودة إلى الديمقراطية والإقتصاد الحر).
(ويوجد شيوعيون _الاشتراكية فصيلة منهم_ يهمهم قبل كل شيء الأيدولوجية وتوثيق العلاقات مع روسيا، ويرون أن خير الوطن لن يتحقق إلا من خلال الأيدولوجية ولو طال الانتظار).

من سمات الكتابة عند نجيب محفوظ يمكن ملاحظتها في قوة اللغة فإلى جانب ما تم اقتباسه من فقرات في الطرح السابق نجد بعض الجمل العبقرية مثلا:
· يصف مشاعره عندما يرى قرنفلة ( حركت قسماتها الدقيقة جذور ذاكرتي، فتفجرت ينابيع الذكريات..... حلم الأربعينات الوردي.......هكذا مرقت إلى الكرنك بقوة سحر مبهمة وفؤاد طروب.)
· يشرح حال الناس حيال الثورة ( ألهبهم الظمأ نحو الكأس المترعة بتحديات العالم القديم) .. هنا التركيبة اللغوية والفكرية أيضا شديدة التعقيد حتى انها لتحمل كثير من المعاني، لدرجة التناقض بين المعاني.
· وفي حملة اعتارضية شعرت بها كأنه يقصد مصر ( هي الحب الذي ينجو من مخالب الواقع ويبقى أملا خلابا).
· وجاء على لسان زين العابدين (إني أحترم أوباشا ومنافقين وقوادين ومرتشين فكيف لا أحترم حزن من علمتني تقديس الحزن من حزني عليه؟!).
· وتعقيبا على حال اسماعيل وزيبنب ( إنهما ينتظران ومنذا الذي لا يننتظر؟)
و من الجمل التي طرحها نجيب محفوظ في الرواية ويمك إتخاذها ككلمات مأثورة عنه أو حكم
ü من العبث أن تناقش عاشقا في عشقه.
ü عدو العرب الحقيقي هو العرب أنفسهم.
ü لا شيء يقرب بين الناس مثل العذاب المشترك.
وأيضا لنجيب محفوظ قدرة عجيبة ورائعة على استلهام الحكم والمثال القديمة وكأنه شرب الثقافة المصرية العميقة من منبعها وله ذاكرة عبقرية أحتفظت بها لتخرجها في الوقت المناسب وفي الرواية المناسبة، فيصف جلسه الشيوخ في المقهى ويحكي ما يدور بينهم من حديث متمثل في كم من الحكم والوصفات الشعبية المصرية القديمة مثل (قال حكيم قديم إني أعجب لآل مصر كيف يمرضون وعندهم الليمون) و(الطب الحديث يقرر أن صعود السلم مفيد للقلب)....
كما أن له سمة ملحوظة جدا في كتاباته وهو سرد كم من الأسماء لا يمكن اغفالها والغريب أنه يتعامل مع كل الأسماء بحرفية شديدة وكأنه يعرفهم جيدا واحد واحد اسما وصفة وحسبا ونسبا، فتجده في الكرنك يصف لك في نصف صفحة أو يزيد اسماء رواد مقهى الكرنك وصفاتهم، ثم يبدأ في الرواية شرح كل شخصية.من الشيوخ محمد بهجت ورشاد مجدي وطه غريب، ومن الشباب زينب دياب واسماعيل الشيخ وحلمي حمادة وزين العابدين عبد الله، وإمام الفوال الجرسون ، وجمعة ماسح الأحذية و....
كتبت الرواية عام 1971 تدور أحداثها في 100 صفحة فقط من القطع الصغير، لكنها كانت كثيرة ومتلاحقة أحداثها جذابة، يصعب جدا أن تخرج منها قبل الإنتهاء التام من قرائتها. لعل أكثر عناصر الجذب بالنسبة لي هو شعوي أن ما يقال في الرواية يحدث الآن، فكثير من الأحداث أو الأقوال تنطبق بطريقة أو بآخرى على واقعنا، رغم أن الرواية كتبت في السبعيات من القرن الماضي، فنجده يقول (عجبت لحال وطني، إنه رغم إنحرافه يتضخم ويتعظم ويتعملق، ويملك القوة والنفوذ، ويصنع الأشياء من الإبرة إلى الصاروخ، ويبشر باتجاه إنساني عظيم، لكن ما بال الإنسان فيه قد تضائل وتهافت حتى صار في تفاهة بعوضه، ماباله يمضي بلا حقوق ولا كرامة ولا حماية، وماباله ينهكه الجبن والنفاق والخواء)، وفي موضع آخر يقول: (يا ألطاف الله، إن الألة الجهنمية تطحن وأول ما تطحن أصحاب الرأي والإرادة، فماذا يعني هذا؟!).وقول الراوي (لم نصل إلى مثل هذا الحال في أي عصر من العصور).
كما أن الحوار في الرواية يغلب على صفة الحكي، فكان الحوار أما بين الاشخاص (ديالوج) أو حوارا بين الرواي ونفسه (مونولوج)، وهذه السمة أيضا تتكرر في أعمال نجيب محفوظ.
ومن السمات المتكررة عند نجيب محفوظ قوة الدين عند العامة التدين البسيط الذي يخلو من فزلكة أو ما يمكن أن يطلق عليه فلسفة الجهلة فنجد في الكرنك مثال على ذلك، فجاء على لسان الراقصة قرنفلة تقول ( العلم عند علام الغيوب)، وجاء على لسان أحد الشيوخ ليعلم الناس ماهي الاشياء المفيدة للقلب (وبعد كل شيء وقبل كل شيء قراءة القرآن)، ويستشهد باحداث التاريخ الإسلامي (تصورنا عصر النبوة في حياته اليومية والدعوة الجديدة...)
في النهاية ختمت الرواية بأمنية ( أن يمضي الحب على صراط متوازن بلا أنانية من جهة ولا
استغلال من الجهة الآخرى، ليتحقق للحب النقاء والبراءة

قراءة في كلمات نجيب محفوظ

16‏/12‏/2009

علاء الأسواني : علمنا محفوظ ان الكاتب الكبير يجب ان يكون انسانا كبيرا‏


تعلمت من نجيب محفوظ الاخلاص في الابداع وفن ادارة الموهبة‏..‏ لقد كان محفوظ يعرف جيدا كيف يكرس حياته ووقته لإبداعه وموهبته‏
‏
لقد رفض كل شئ في سبيل ان يقدم رسالته الابداعية‏..‏ رفض المال والمناصب والسلطة‏
‏
قال لي جملة مازلت احفظ كلماتها عن ظهر القلب‏:‏ لم أكن لأصل لما وصلت اليه لولا انني وطدت
نفسي علي ان الكتابة رسالة وعزاء‏..‏ رسالة يجب ان اؤديها بغض النظر عن المقابل‏,‏ وعزاء لان كل ما يشقيني في هذا العالم تعزيني عنه الكتابة

وقال لي محفوظ ايضا في بداية مشواري وقد كنت متخرجا لتوي من الجامعة‏:‏ اذا كنت تنتظر شيئا من الكتابة فلا تكتب‏..‏ لابد ان تحب الكتابة اولا‏
‏
لقد علمنا محفوظ ان الكاتب الكبير يجب ان يكون انسانا كبيرا‏,‏ فالرواية لديه هي ممارسة فنية لحب الناس‏.‏

ليلي الراعي
‏دنيا الثقافة

15‏/12‏/2009

روح شفافة خبرت جوهر الوجود‏


رغم أن د‏.‏ زكي سالم ـ أديب ـ لايزكي أحدا علي الله إلا أنه يحسب‏'‏ نجيب محفوظ‏'‏ من أولياء الله الصالحين‏:'‏ فمن يقرأ رواياته بعمق‏,‏ أو يدرك معاني قصصه‏,‏ ويتأمل ببصيرة‏'‏ الحرافيش‏'‏ و‏'‏ أصداء السيرة الذاتية‏'‏ و‏'‏ أحلام فترة النقاهة‏'‏ يري روحانية خالصة‏,‏ وإيمانا صافيا ينبع من روح شفافة خبرت جوهر الوجود‏,‏ وذاقت معني الوصال
‏
وتخصصي لسنوات في دراسة التصوف ساعدني علي تأمل أستاذي الأكبر عن قرب‏,‏ فرأيته يجسد معاني التصوف الرائعة‏,‏ فتواضعه كان صادقا‏,‏ وبساطته صافية‏,‏ وعاش مترفعا علي الصغائر‏,‏ لم يتعلق بشيء‏,‏ ولم يسع وراء مال‏,‏ ولا جاه‏,‏ ولا سلطة‏,‏ ولا شهرة‏,‏ فأتته الدنيا بما فيها‏,‏ لكنها لم تدخل قلبه‏!‏

وعلي مدي سنوات طويلة‏,‏ لم يحك لنا شيئا عن نفسه فيه عجب ولا خيلاء‏,‏ ولم يكن يحب المديح‏,‏ ويتقبل النقد برحابة وبشاشة‏,‏ ويلتمس الأعذار للناس‏,‏ ويحنو عليهم‏,‏ ويذكر الآخرين بالخير أو يسكت عنهم‏,‏ ويمقت الكراهية‏,‏ ويحسن الإصغاء للناس‏,‏ ويصمت طويلا‏,‏ ويلخص آراءه في كلمات قليلة تمثل حكمة بالغة‏,‏ ولم يكن ينتمي لأية طريقة‏,‏ لكنه ذاق الصوفية فعرفها‏,‏ وشكل تجربته الخاصة به‏,‏ فعاش فنانا عاشقا لمخلوقات الله‏,‏ ذواقة لجمال كونه‏,‏ متبتلا في بديع صنعه‏,‏ ومخلصا في عمله‏.‏

أصدقاء نجيب محفوظ يجددون ذكراه مساء كل جمعة
دنيا الثقافة

14‏/12‏/2009

المسرح عند نجيب محفوظ


عندما سألت استاذ الرواية العربية نجيب محفوظ في حوار شرفت بإجرائه معه عن موقع المسرح في أدبه قال‏:‏ ان المسرح أسهم في تشكيلي وجدانيا وكان مصدرا مهما من مصادر الثقافة والمعرفة مع الرواية والشعر‏,‏ ولكنني احببت أن ابتعد عن المسرح حتي لا أصبح مقلدا لأحد اساتذتي وهو توفيق الحكيم‏..‏ وان اختط لنفسي طريقا خاصا يتفق مع ميولي واستعدادي وهو طريق الأدب الروائي‏..‏ استعدت كلماته البسيطة المتواضعة

وانا اقرأ حوارا له في مجلة المسرح عدد نوفمبر‏1979‏ اجراه معه الأستاذ عبدالرحمن ابو عوف وفيه الكثير من التفاصيل حول رؤية نجيب محفوظ لمسرح توفيق الحكيم وايضا مسرح الريحاني ورأي أديبنا العالمي في اعماله القصصية التي تحولت الي المسرح‏

‏ يقول الأستاذ نجيب محفوظ‏:‏ الحقيقة علاقتي بالمسرح كمشاهد علاقة قديمة جدا ففي سن الطفولة تقريبا حضرت بصحبة أبي بعض تمثيليات الريحاني وعلي الكسار‏..‏ وبدءا من سنة‏1925‏ عرفت الطريق إلي روض الفرج‏..‏ وكان حافلا بمقلدي الريحاني وعلي الكسار فشاهدت كثيرا من المسرحيات التي كانوا يقدمونها في أزمنة سابقة أثناء الحرب العظمي حرب‏1914‏ وبعد ذلك عرفنا طريقنا إلي المسرح المصري في الثلاثينيات وما قبلها قليلا شاهدنا يوسف وهبي وفاطمة رشدي والريحاني وعلي الكسار وعزيز عيد‏..‏ ولما بدأت تثقيفي الأدبي كان المسرح بطبيعة الحال في طليعة قراءاتي الدراسية‏..‏ فقرأت ما استطعت من قديمه ممثلا في الاغريق وجوته وشكسبير وكورني وراسين ثم المعاصرين في ذلك الوقت امثال إبسن وشو وتشيخوف وغيرهم‏..‏

واستمرت قراءاتي مع ما اخترت من سلسلة المسرح العالمي مطلعا علي مختلف تياراته فأنا قراءتي للمسرح لاتقل عن متابعتي للرواية أو القصة القصيرة أو الشعر‏.‏

وحول تقييمه لدور الأستاذ توفيق الحكيم يقول استاذنا النجيب‏:‏ الحقيقة ان توفيق الحكيم كان بداية جديدة لمسرح جاد معاصر بكل معني الكلمة‏..‏ انقسم لقسمين واحد فكري‏,‏ مجاريا في ذلك المسرح العالمي‏.‏

وآخر اجتماعي فكاهي مجاريا الروح المصرية الخالصة ومن ينبوعه خرجت التيارات المتنوعة التي أتت بعد ذلك فألفريد فرج يمثل خطا‏..‏ وسعد الدين وهبة ونعمان عاشور يمثلان خطا‏..‏ وهكذا‏..‏

ولاتنس تدخل الريحاني في التأثير‏..‏ فالحق أن الريحاني له أثر وخطر لاينكران في المسرح المصري‏..‏ وحول رؤية بعض النقاد ان عددا من قصص نجيب محفوظ الحوارية تعد مسرحيات قال الأستاذ نجيب‏:‏ لم أقصد المسرح‏,‏ بل هي قصص فرض عليها شكل الحوار أساسا‏,‏ فالمسرح كان علي الهامش لحظة ابداعي لها‏.‏

محمد بهجت
دنيا الثقافة

21‏/06‏/2009

الفن التشكيلي وعالم نجيب محفوظ


مثلما تألقت القاهرة بوجهها الخاص والحياة الشعبية في ملامحها العامة في أدب نجيب محفوظ، تألقت أيضاً في لوحات عديدة في الفن التشكيلي. فعندما نقرأ خان الخليلي أو زقاق المدق وبين القصرين أو نطوف (بدنيا الله) نجد في تصوير محفوظ ما نراه في أعمال الرائد يوسف كامل، فقد ظل قلب فنانناً معلقاً بين القاهرة التاريخية والشعبية بتلك المنافذ والكوى والدروب والبوابات والسلالم الشاعرية العتيقة فصور بيت البكرية والباب الأخضر وبوابة المتولي وغيرها من تلك المساحات المسكونة بلمسة الزمن في نسيج من النغم.
كما جاءت لوحات فنان الباستيل محمد صبري للقاهرة الفاطمية بأبوابها وبواباتها في أكثر من 200 لوحة. وفي مقهى نجيب محفوظ بخان الخليلي تطل 16 لوحة للفنان صبري تمثل شارع المعز وبوابة الفتوح وبيت السحيمي وباب زويلة والجامع الأزرق، وكلها تمثل مسرحاً لحكايات محفوظ الروائية والقصصية. كما يتصدر المكان بورتريه للكاتب الكبير من إبداع صبري أيضاً وقد صوره له بعد نوبل... ونجد حميدة كما وصفها محفوظ بملامحها ولون بشرتها وسحر عينيها، تكاد تطل من لوحات محمود سعيد بكل أوصافها.. وليس غريباً أن الموديل المفضل عند محمود سعيد الذي ظل يرسمه طوال حياته يدعى حميدة أيضاً.
وحي الخطوط والألوان
وإذا كانت هناك أعمال تشكيلية التقت مع عالم محفوظ دون اتفاق إلا أننا نجد أعمالاً تعد بمثابة ترجمة بصرية لعالمه، ففي عام 1959 صاحبت ريشة الفنان الحسين فوزي فصول رواية أولاد حارتنا التي نشرت بصحيفة الأهرام في 100 رسم على مدى ما يقرب من العام كما قدم الفنان سيف وانلي ترجمة تعبيرية لشخوص المرايا التي صاحبت الرواية حين كانت تنشر بمجلة الإذاعة والتلفزيون عام 1971.
الواقعية
ارتبط الفنان جمال قطب بعالم نجيب محفوظ، فقد تصدرت رسومه أغلفة رواياته وقصصه القصيرة من بداياته الأولى وحتى أعماله الأخيرة في أكثر من خمسين عملاً، وقد جسد هذا العلم الذي يمتد من الواقعية التاريخية والفنتازيا كما في روايات محفوظ الأولى، إلى الواقعية الطبيعية والفكرية والواقعية النفسية كما في السراب، والواقعية الرمزية كما في زقاق المدق إلى العبث واللامعقول كما في تحت المظلة.
وقد صور جمال نجيب في أكثر من بورتريه من بينها نجيب يبدو مبتسماً متأملاً وحوله شخوصه العديدة أبطال رواياته.
تنوعت الصورة الشخصية لمحفوظ من فنان إلى آخر مثل الصورة التي صورها له صبري راغب والتي جمعت بين الخفة والصلابة بلمسات قصيرة، كما صوره جمال كامل في بورتريه استحضر فيه شخصيته البسيطة المتواضعة

صلاح بيطار

جمال قطب لـ الشرق الاوسط: محفوظ لم يتدخل في رسوماتي أبدا


لم أدرك وأنا أذهب إليه أن كل هذا الحزن يعتصر قلبه على نجيب محفوظ، وشعرت بأنه ربما اختار هذا التوقيت: الواحدة ظهر الخميس الماضي، موعد تشييع محفوظ، ليحتمي بالحديث عنه من كل هذا الألم والحزن.

وبنبرة لا تخلو من الأسى بادرني الفنان جمال قطب، رسام ومصمم أغلفة أعمال نجيب محفوظ، والمشرف الفني على أعمال «دار مصر للطباعة» منذ عام 1965 وحتى الآن، بأنه وافق على إجراء الحوار، واختار هذا التوقيت تحديداً، لينشغل بنجيب وسيرته العطرة، عن متابعة مراسم تشييعه الشعبي والرسمي. وقالها بصراحة «لم يكن في مستطاعي حضور الجنازة، وربما لن يكون بمقدوري المشاركة في العزاء».

وشرد قليلا قبل أن يضيف: «نجيب لم يمت، إنه غياب للجسد والحضور الفيزيائي، لكنه حي في عيون وعقول وقلوب الملايين من قرائه عبر العالم

سألته: حدثني عن بداية تعارفكما، متى رسمت غلاف أول رواية لنجيب محفوظ، وما هي؟

أجاب: قبل نحو أربعين عاما، كنت أعمل في «دار الهلال»، وعرض علي عبد الحميد جودة السحار أن أتعاون معه في «دار مصر للطباعة والنشر». هكذا تعرفت على نجيب محفوظ. كنت بالطبع أعرفه كقارئ من قبل، أما أول رواية فلا أتذكر بالتحديد، لأنني رسمت أغلفة كل روايات ومجموعات القصص التي ألفها، حتى تلك التي طبعت من قبل أن أتعرف عليه وعلى السحار، لأنه عند إعادة الطبع كنت أرسم أغلفة وأشرف على التصميم والشكل العام للكتاب المعاد طبعه، الذي صدر من قبل برسوم زملاء آخرين. كل كتب محفوظ عليها رسوماتي... أربعون عاما من التعاون الثلاثي: نجيب، السحار وداره للنشر، وفرشاتي.

وتوقف قليلا، ثم واصل جمال قطب حديثه من دون أن أساله: «آخر مرة رأيته كانت من حوالي ست سنوات، في منزله المطل على نيل القاهرة في حي العجوزة. كانت زيارتي الأخيرة له، وآخر مرة أسمع صوته، وأرى ملامحه، التي طالما رسمتها وسأظل أرسمه ما حييت».


الشرق الاوسط

16‏/04‏/2009

رسالة إلى نجيب محفوظ


إليك أيها العملاق الذي كنت ولاتزال تسكن أبراجًا بنيتها من علم وفلسفة.. إليك أيها الباحث عن مكنونات شعبك وعطشه.. إليك أيها الكاشف أستار التربة ليعرف التاريخ هويات الحلم المغروس في أفئدة شعبك.. إليك أيها المدرك تبعات مغامرات الحرف والكلمة.. فلتسمح لي أن أكتب بعض الكلمات التي كانت مترددة في انفلاتها عبر فضاء الأهرامات الشامخة.. كلمات تعبر عن مدى التعلق المختلج مع نسمات الصباح حين تسير في أروقة الأزقة حاملاً جريدتك المفضلة، ومع دموع القارئ الذي سهر الليالي منهمكًا في عالمك السردي.. يبحر بين المفردات ويقفز شغفًا بين العبارات الكاشفة أسرار تكوينك الفني، وتقنيات الكتابة لديك

إليك أيها الغارس فينا حب القراءة ولذة التطلع وشهية المعرفة أقول لك أنك أخذت الأجيال المتعاقبة عبر أعمالك القصصية والروائية إلى عشق مصر قبل أن تطأ أي أقدام هذه الأجيال ارض الكنانة.. عرفتنا حاراتها ولجهاتها.. أزقتها وممراتها.. قربت لنا المسافة الزمانية والمكانية لكي نعيش الحالات التي مر بها الشعب المصري قبل وبعد الثورة

ذهبنا معك ونحن في أوج بهجتنا إلى أقبية الحارات المختلفة لتكشف علنا عن أولاد هذه الحارات التي توسدت العلم والتاريخ والمعرفة وأحقية السؤال، وأسرار منعها، وحين تعالقت الرواية بخيالنا عرفنا مدى القسر والقساوة الشرسة لهذا المنع، ولكن حلمك الجميل ظل مجداً وتراثاً يتخلخل بين مفاصل الشخصيات التي رسمتها في أعمالك الباقية ما بقي الدهر بين فتوات الكلمة التي صدحت عند كثير من أعمال الأجيال التي تربت على يديك.. وفتوات الحارات والأمكنة التي تسيدت الحرافيش وبعضاً من قرى التخيل

وعلى الرغم من فراقك الذي أضنى كل مثقف وأديب عربي يعرف مكانتك الإبداعية والعالمية، وتمددك على سرير المرض يبقى السفر معك في عالم الصحراء والبراري المعلنة في رحلة ابن فطومة نبراسًا يقربنا من تحدي الواقع وكشف زيف المجتمع الذي كان يحتاج إلى فحوصات دقيقة وإجراء عمليات جراحة وتجميل، وليس أنت أيها الباقي في صحونا ونومنا..شاء وكان به رحيلك فلم تكن أحلامنا كابوسًا إلا حين قرأنا الخبر ولم تتمظهر أحزاننا وتنبري إلا بعد سماع الطبيب الذي يصرح إلى وكالات الأنباء عن وفاتك.. ولم نشعر بقساوة التعب اللغوي إلا حين أردنا أن نرسم عشقنا لك لغة، وستبقى بيننا نأكل الخبز الذي كونته في قصصك، ونشرب الماء الذي ظهر من بئر رواياتك، ونسمر مع أعمالك

لـويس جرجس

نجيب محفوظ: نهاية الفصل الأخير


ولد نجيب محفوظ في عام 1911 في منزل لا تصله الكهرباء. تفاصيل وعيه للعالم تسربت عبر الإضاءة الشحيحة لمصابيح الكيروزين المنتشرة في بيوت “المستورين”، من الطبقة التي ستكون بعد سنوات لاحقة طليعة البورجوازية الجديدة في مصر. عرف أول بطولة خارج حدود البيت والأب مع سعد زغلول، الزعيم القادم من بيئة متواضعة ليعبّر عن أمل البلاد في الحرية والاستقلال وعن آمال الفئات المهمشة في العبور إلى أماكن اجتماعية جديدة. وهنا، كانت ثورة زعيم “الوفد” على بعد سنوات من ميلاد محفوظ. لكنها كانت الأقرب إلى تركيبته الخاصة التي جمعت التناقضات في سلام شخصي واجتماعي فريد. تلك الشخصية المتمردة، لكن ليس الى حد التطرّف...
والمخلصة للتقاليد القديمة، لكن ليس إلى حد الجمود

ترك محفوظ حي الحسين في مصر القديمة لينتقل إلى حي العباسية، فردوس الطبقة الوسطى الجديد وأحد مصانع وعيها وملاعب وجدانها
لم يكن صاحب “الثلاثية” أسير ازدواجية التعليم المدني والأزهري كما طه حسين، ولا موزعاً بين عشقين مثل توفيق الحكيم الممزق ثقافياً بين الشرق والغرب، بل كان الحالة الوليدة لمثقف مصر الحديث الذي يشحن وجوده الاجتماعي من ثورة التغيير، وبدايات مراحل جديدة في تاريخ مصر

خاض محفوظ مغامرة الكتابة بينما أبقى على قناع الموظف المنضبط الذي يخفي عن زملاء الوظيفة أنه “أديب”، مستجيباً في ذلك لنصيحة مؤلف قصص الأطفال كامل الكيلاني. وها هو يحاكي في “أولاد حارتنا” بناء الأفكار في المؤسسة الدينية، ويوصل نقده سلوك السلطة السياسية إلى حدود الفكاهة السوداء وهلوسات “المساطيل”، كما ظهر في “ثرثرة فوق النيل”. لكن على رغم ذلك، نادراً ما كان يصطدم بالسلطة السياسية أو الدينية أو الأخلاقية، نجيب محفوظ “صورة” المثقف الحديث الباقية من تلال مزدحمة بالصور والشخصيات. وإذا سألت شخصاً عادياً عن المثقف الذي يعرفه اليوم، لن يتردد في أن يذكر لك اسم نجيب محفوظ. فهو يحتل مساحة كبيرة وحده. بلا تفاصيل. إنها نوبل والسينما. جائزة التقطها من غرب ظالم دائم في مخيلتنا، وسينما حكت عن أبطال لهم ملامح واقعية، ربما أكثر واقعية من المتفرجين أنفسهم. أبطال “الثلاثية” أصبحوا هم الواقع “سي السيد” وأمينة... ذكورة وأنوثة الاستبداد الشرقي المغرم بالقهر والمتعة. واقعية حارقة حينما تحاصر البطل بأسئلة على مفترق طرق. شادية فى “زقاق المدق”، وعمر الشريف في “بداية ونهاية”، ونور الشريف في “السراب”. الأبطال حائرون والأديب يغيّر زوايا اقترابه من الفلسفة وعلم النفس وتشريح المجتمع. أكثر ما يعشقه هو فكرة الأدراج. يضع في كل درج جزءاً من حياته: الوظيفة والكتابة والشلة والبيت والعائلة والمتع المنفلتة! كل درج له قانونه الخاص وتاريخه السري. نجيب هو النقطة المشتركة الوحيدة. يمكن أن تراه كما تريد. حمّال أوجه تقليدي. مطيع في السياسة. له “شطحات” في الكتابة، ملحد أو مؤمن. هو كل هذا

قد تحذف الثقافة السائدة الآن من سيرته كل ما تريد ليبقى مجرد رجل “بركة”، عاش طويلاً وحقق النصر لمصر في المحافل الدولية. ليس إلا! ومن المرجّح أنّها لن تتطرّق الى أفكاره، أو انحيازه للعلم حتى لو كان على حساب الايمان. غداً ينسى الوافدون الجدد أن “أولاد حارتنا” أهم ما فيها أنّها كسرت تابوات راسخة ومهّدت الطريق.

أقسى ما في الموت هو الاختصار. تتمرد طوال حياتك على العائلة والثقافة السائدة. وعندما يهمد جسدك، تتسلّمك العائلة وتتمدد مستسلماً لطقوس الثقافة السائدة. كيف سيُختصر نجيب محفوظ؟ الخوف من أن يتحول وهو فى القبر الى سلطة، وهو الرجل المتواضع، وأن تمنع الطريقة التى رتّبت فيها الدولة جنازته (الـ“عسكرية”) احتفالاً شعبياً بالحياة وبالخروج عن الطاعة. الرجل الكبير هو متمرّد في المقام الأول: على رغم أنه كان يضبط حياته على ساعة مقيمة في جيبه. قبل ذلك، حُمل جسد توفيق الحكيم على عربة مدفع، واليوم يلحق به نجيب محفوظ في جنازة عسكرية. من منهما كان يحلم بشكل جنازته

القاهرة ــ وائل عبد الفتاح

12‏/03‏/2009

رجل الساعة


حيث انك تتوقع مني أن أنتزع منك ابتسامة من نوع ما، وحيث أن الكلام سيدور عن شخص أحبه وأجله هو صديقي الكاتب الكبير نجيب محفوظ، فأعتقد أن خير موضوع للحديث هو تلك العلاقة الغريبة القائمة بينه وبين الساعة، ساعة يده حاليا وساعة جيبه عند بدء معرفتي به في ذلك العهد البعيد من أواسط الأربعينات

من جيب البنطلون الصغير كان يخرج ساعته الكبيرة وينظر فيها، توطئة لأن يخرج من جيب الجاكتة علبة السجائر ليشعل سيجارة، كنت أظن في البداية أنه لا علاقة بين الأمرين، واحتجت الي عدة أسابيع قبل أن اكتشف انها عملية منظمة وخطة مرسومة، وأنه يرفض أن يدخن السيجارة إلا بعد أن يستوثق من انه قد مرت علي سابقتها ساعة كاملة. أي أنه بينما أكون أنا قد حرقت بغير انتباه نصف علبة السجائر يكون هو قد دخن سيجارتين اثنتين لا غير! فإذا ما قالت له ساعته التي استشارها أن الساعة مازال ينقصها دقيقتان فانه يضع علبة السجائر وينتظر مرور الدقيقتين. ومن وضعه للعلبة علي المائدة يتوخي أن يكون ضلعها منطبقا علي حرف المائدة أو علي الأقل موازيا لها، ويا حبذا لو كان 'بوزها' موضوعا علي بوز للمائدة المربعة في تطابق سعيد بين الزاويتين القائمتين

وشيئا فشيئا بدأت أكتشف دور الساعة في حياة نجيب محفوظ، وهذا بالطبع اذا جاز لنا أن نتكلم عن نجيب وساعته كشيئين منفصلين! فمثلما كان سكان كونسبرج يضبطون ساعاتهم علي موعد خروج الفيلسوف 'كنت' لنزهته اليومية، كذلك يستطيع جيران نجيب محفوظ أن يضبطوا ساعتهم علي مواعيد نشاطاته المختلفة. يضبطونها مرة في الصباح علي لحظة خروجه من البيت لعمله الوظيفي، ومرة في المساء علي اللحظة التي يضاء فيها النور في حجرة مكتبه. فهو ليس من أولئك الناس الذين يجلسون للكتابة في أية لحظة، وانما للكتابة مثل صلاة الجمعة لحظة معينة محددة لا تجوز إلا فيها

كذلك يستطيع الجيران وهذا غريب بعض الشيء أن يضبطوا ساعاتهم علي اللحظة التي ينطفيء فيها النور في حجرة مكتبه معلنا عن انتهائه من الكتابة فنجيب يجب أن يكف عن الكتابة في اللحظة المحددة لذلك من قبل، مهما كان عنده من الأفكار الجاهزة التي تلح عليه بأن يدونها! في لحظة الكف يجب أن يكف مهما كان من أمر، تلك اللحظة التي ربما حلت (هكذا حكي لي والله علي ما أقول شهيد) وقد انتهي من السياق الي حرف جر، فيلقي بالقلم وينهض دون أن يكتب المجرور

تلك أمثلة سريعة لدور الساعة في حياة نجيب محفوظ، حتي بعد أن تحولت من ساعة في جيبه الي أخري تحيط بمعصمه. ولقد حاولت أن أتذكر متي حدث هذا التحول علي وجه التحديد ففشلت، ولابد علي أي حال أنه كان في فترة غير بعيدة من شروعه في 'أولاد حارتنا'.
والساعة مهما كان ما هي إلا رمز عام لما تتسم به حياة كاتبنا الكبير من الدقة البالغة ومن العادات الحديدية الصارمة

وخذ مثلا ذلك المشوار اليومي الذي يرهقه كل صباح الي مقر عمله الوظيفي
أجرة التاكسي في جيبه بالطبع، ومن حقه كموظف كبير أن تخصص له سيارة حكومية، ولكنه لا يميل الي تلك الأمور. طول عمره يسير علي قدميه الي مقر عمله فماذا جري في الدنيا حتي بغير تلك العادة علي آخر زمن؟

والمشوار كما أتخيله يجب أن يكون في نفس خط السير، علي نفس الرصيف في نفس الطريق الذي سار فيه بالأمس وسوف يسير فيه الغد. وتلك الشجرة يجب أن يدور عن يمينها كما يفعل دائما، بعكس ذلك الفانوس الذي يحسن به أن يدور عن يساره. وهنا علي الكوبري يمكنه أن يتمهل بعض الشيء لكي يملأ صدره بالهواء النقي، ولكي يمتع أذنية وهو يتصعب بشيء من ثرثرة النيل. لكنه بالطبع لا يجوز أن يتمهل طويلا، حسبه تلك اللحظات القليلة التي تسمح بها ساعته
نظام زماني مكاني صارم كان علي الدوام يثير غيظي، وكان في بعض الأحيان يثير رثائي، ولكنه لم يعد في النهاية يثير شيئا سوي حسدي

اذ رأيت مؤلفات الرجل ترتفع وترتفع حتي توشك أن تنطح السقف، فأدركت قيمة النظام والمثابرة بالنسبة للرجل الذي يريد أن يكون كاتبا كبيرا. ورثيت لنفسي وقد ذكرت السنوات الطويلة التي قضيتها أنا 'أتسرمح' في الشوارع وأذهب الي السينما، وأحب وأحلم، وأتزوج وأخلف، الي آخر تلك الأعمال المضيعة للوقت

محمد عفيفي في
العدد الخاص الذي أصدرته

مجلة الهلال عن نجيب محفوظ
فبراير 1970

الفيلسوف العربي


يمكن القول إن الروائي نجيب محفوظ قد سد، ابتداء من مرحلته الثانية ­ أو 'الفلسفية' كما يحلو لكثير من النقاد أن يقولوا قد سد مسد الفيلسوف العربي المستحيل الوجود (أو غير الممكن الوجود إلا بشروط قاسية، ومنها أن يكون محض فيلسوف لغة، كما هو شأن زكي الأرسوزي أو كمال الحاج مثلا، أو محض فيلسوف بالمثاقفة أو حتي بالترجمة، كما هو شأن أصحاب تلك المذاهب التي عرفت في الفكر الفلسفي العربي المعاصر باسم الوجودية أو الجوانية أو الشخصانية الإسلامية)

وبطبيعة الحال، لم يكن ثمة مناص من أن يدفع الروائي نجيب محفوظ، وهو يحاول القيام بعبء بعض من تلك المهمة التي لم يقم بها الفيلسوف العربي، ضريبة الفلسفة التي كانت في حالته مخففة، والحق يقال. فهو لم يعرف مصير العزل والصمت الإجباري الذي عرفه مفكر مثل علي عبدالرازق حاول أن يقوم بقراءة أولي ومتلعثمة لأبجدية العلمانية. كما لم يعرف مصير التراجع والإضراب الطوعي عن تطبيق منهج العقل والشك العقلي الجذري الذي عرفه مفكر مثل طه حسين بدأ حياته الفكرية بمحاولة إعادة النظر في مسلمات التاريخ العربي الإسلامي، وتابعها وختمها بتثبت تلك المسلمات بمنأي عن كل حس نقدي. فكل الثمن الذي اضطر نجيب محفوظ إلي دفعه هو امتناعه عن نشر روايته 'اولاد حارتنا' في مصر وعن إدراجها في اللائحة الرسمية لمؤلفاته

وصحيح أنه وجد في الآونة الأخيرة من حاول تحريك القضية من جديد واستعداء الناس علي مؤلف تلك الرواية باعتباره سلمان رشدي مصر، ولكن هذه المحاولة وئدت في مهدها علي مايبدو بالنظر إلي سوء توقيتها: فقد جاءت في اللحظة نفسها التي تم فيها تكريس نجيب محفوظ عالميا من خلال اختياره ليكون أول فائز عربي بجائزة نوبل للآداب

ولكن ما هي تلك المهمة أو بعض المهمة التي حاول الروائي نجيب محفوظ أن يقوم بعبئها بالنيابة عن الفيلسوف العربي المستحيل الوجود؟ إنها ، بنوع ما، علمنة الدين. وقد كانت 'أولاد حارتنا'، بالفعل، أول خطوة في هذا السبيل: أولا من حيث الشكل، وذلك عندما ألبس الروائي أنبياء البشرية الثلاثة العظام جلابيب اولاد الحارة، وثانيا من حيث المضمون عندما جعل من 'عرفة' ­ أي المعلم­ اولئك الثلاثة ونبي العصور الحديثة. وقد عاد نجيب محفوظ في 'حكاية بلا بداية ولانهاية' إلي التصميم الذي بناه في 'أولاد حارتنا' ليعيد تأويله­ هذه المرة­ علي ضوء التفسير العلمي، لا الديني، للكون والطبيعة والإنسان

فنحن هذه المرة أيضا أمام أنبياء ثلاثة، ولكنهم ليسوا أنبياء الكتب المقدسة، بل أنبياء عصر العلم، خلفاء عرفة، وعلي وجه التحديد كوبرنيكوس الذي أبطل أيضا صلاحية التصور الديني التقليدي عن مركزية الأرض للكون، وداروين الذي أبطل أيضا صلاحية التصور الديني التقليدي عن مركزية الإنسان في عالم الأحياء، وفرويد الذي نفي أخيرا مركزية الشعور في عالم النفس. وواضح من هذه القصة مانقصده بمفهوم علمنة الدين

الذي لايجوز أن نخلط هنا بينه وبين مفهوم علمنة الدولة أو علمنة المجتمع . فعلمنة الدين لاتعني إلا تحقيق ثورة داخلية فيه، تشبه من بعض الأوجه الثورة­ التي احدثتها البرتستانتية في المسيحية والتي تمخضت عن الإصلاح الديني الكبير في القرن السادس عشر وما استتبعه من إصلاح ديني مضاد في قلب الكاثلوليكية نفسها، مما أتاح للمسيحية اجمالا أن تتحرر من التخثر الذي كانت تجمدت فيه القرون الوسطي

وعلمنة الدين تعني في المقام الثاني تحريره من المؤسسة الدينية. يتحول الدين إلي مؤسسة، كما 'تبرهن' علي ذلك 'ملحمة الحرافيش'، يكف عن أن يكون هو الدين ، ويخرج عن الهدف الذي وجد من أجله­ وهو طلب خير 'أولاد الحارة' جميعا بلا أستثناء أو تمييز­ ليصير تابعا لمؤسسة السلطة والمال في المجتمع، أي بكلمة واحدة، ليتحول أو يمسخ بالاحري من دين كوني شمولي إلي دين طبقي جزئي

وعلمنة الدين تعني في المقام الثالث إعادة توظيف قيمة في خدمة الحارة وأولادها، أي في سبيل الدنيا والإنسان، لا في سبيل الوقف وصاحب الوقف. واللاهوت الوحيد المبرر في نظر نجيب محفوظ في لاهوت العمل. والعمل، بكل معانيه هو الصلاة اليومية للإنسان المعاصر. بل قد يغلو نجيب محفوظ إلي حد اعتبار العلم مقياسا للتدين الحق. ومن هنا إدانته الصارمة لكل تلك الفئة من المتسولين عند باب الله ممن يتخذون التدين بحد ذاته حرفة وبديلا عن العمل المنتج الذي ينفعهم وينفع الناس.

ولعل نجيب محفوظ ما دان أحدا من ابطاله بقسوة مثلما دان صابر سيد الرحيمي، بطل رواية 'الطريق' لانه جعل من البحث عن الأب، أي الله في التأويل الرمزي، بديلا عن العمل يعفيه من المسئولية الإنسانية ويوفر له بلا مقابل ، وبلا تعب ولاجهد، 'معجزة الكرامة والحرية والسلام' . وبقسوة مماثلة دان نجيب محفوظ عثعان بيومي بطل روايته 'حضرة المحترم' لأنه بدوره احترف التدين وجعله وظيفة يترقي في مدارجها مثلما يتدرج موظف الدولة في مراتبه. وبذلك كان تدينه لا مرقاة للصعود إلي السماء، بل سلما للهبوط إلي قعر جهنم. وكان ماعاينه، وهو يلفظ النفس الأخير من حياته العقيمة المضيعة هباء في مطاردة شبح القداسة، ليس النور المقدس للعالم العلوي، بل النار الملعونة للعالم السفلي


جورج طرابيشي

المعجزة التي نسأل كيف حدثت


اعتقد أن الاستاذ تعهد علي تدريب نفسه بدأب غير مسبوق علي الاستغناء، لقد استغني تقريبا عن معظم ما هو خارجي عن نفسه مادي الطابع
استغني عن إغراءات الحياة وغوايات المتعة المستبدة. استغني عن الاحتياجات المادية، الا ما هو ضروري ليقيم الحياة
هل تعلمون أن ما أصبح يتعامل معه من متع الحياة المادية، انحصر فقط في ثلاث رشفات من فنجان قهوة وحيد، يترك معظمه، وثلاث سجائر. ماذكرت هو بالتحديد ما يحصل عليه الاستاذ من متع الحياة المادية، خلاف المأكل والرداء والدواء
المال وزعه بالكامل علي أسرته الصغيرة ومجتمعه الاكبر
لقد قام بتقسيم القيمة المالية لجائزة نوبل الي أربعة أنصبة تقابل عدد أفراد الاسرة الصغيرة. اعطي كل عضو في الاسرة نصيبه، بما فيهم هو نفسه. وماذا فعل بنصيبه؟ حار يومها في كيفية التصرف فيه وسألنا نحن المحيطين به، اقترحنا عليه اقتراحات شتي، فاجأنا بالتبرع بنصيبه لبريد الاهرام، ولم يترك التبرع مفتوحا، لكنه طلب ايداعه وديعة مصرفية وحدد أول ريع لها ليقدم الي جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني، علي أن يترك لبريد الاهرام حرية توجيه ريع الوديعة في السنوات التالية
تأملت كثيرا لماذا الهلال الاحمر الفلسطيني؟
لماذا اختار الاستاذ ابن الحضارتين الفرعونية والاسلامية كما قدم نفسه في خطاب الاحتفال بتسليم جائزة نوبل للآداب، أقول لماذا اختار الهلال الاحمر الفلسطيني؟
في حدود اجتهادي، فانه أراد في الاساس توجيه نصيبه من المقابل المادي للجائزة الي عمل الخير كما هو واضح
ولكن، تري أي خير ومعاناة الانسان في هذه الدنيا تفوق قدرة الضمير علي الاحتمال؟
اعتقد أن الاستاذ سأل نفسه عنها، من هو بالضبط؟ هو في الاساس ، انسان مهموم بآلام البشرية. عربي مصري
يريد أن يسهم وأن يلفت الانظار الي مأساة جسيمة، فاتجه حسب ماقادته بصيرته، الي الهلال الاحمر الفلسطيني
جمعية مدنية لانقاذ ضحايا شعب عربي، عاني فوق طاقة البشر، تحت سمع وبصر المجتمع الدولي في قمة تقدمه المادي، مع نهاية الالفية الثانية بعد ميلاد السيد المسيح الذي بشر قائلا: 'أحبوا أعداءكم'
هو دائما يريد أن يلفت الانظار، حتي عندما تموج النفس والدنيا جميعا بالافراح

نعيم صبري

23‏/01‏/2009

"أولاد حارتنا"


بدا الروائي المصري جمال الغيطاني متأثرا جدا وهو يكشف لـ"العربية.نت" خلال اتصال هاتفي عن تفاصيل جديدة في حياة الروائي المصري العالمي الراحل نجيب محفوظ، خصوصا فيما يتعلق بمحاولة اغتياله في 1994، وقراره برفض إعادة طباعة روايته المثيرة للجدل "أولاد حارتنا
وأشار إلى أن الشاب الذي حاول قتل محفوظ، وأعدم بعد ذلك، اعترف بجريمته، وشدد على أنه سيكررها ثانية إذا أتيحت له الفرصة. وأوضح الغيطاني بأن حادثة محاولة اغتيال محفوظ في 1994،
غيرت حياته - محفوظ - وهي نتيجة "لتخلف أوضاعنا، وغياب العقل

وكشف الغيطاني عن أسباب رفض الروائي المصري الكبير إعادة طباعة روايته الشهيرة أولادحارتنا بعد قرار الأزهر بشأنها، وهو القرار الذي قضى باعادة طباعتها، موضحا بأن محفوظ لم يكن راغبا إلى آخر لحظة في حياته في طباعتها لخشيته من ردود الفعل على أسرته، ملمحا إلى أن خشيته كانت ناتجة من المتطرفين على الأسرة التي لطالما أبقاها بعيدا عن الأضواء

وختم الغيطاني بأن أعمال محفوظ الروائية تؤكد الرؤية الإسلامية الإيمانية من منطلق كوني
ويكفي لمعرفة البعد "الصوفي" فيها، قراءة "الشحاذ"، ثم عمل صوفي رفيع هو "أصداء السيرة الذاتية
وشكلت رواية "أولاد حارتنا" محطة مهمة ومنعطفا في أعمال محفوظ لكثر ما أثير حولها من لغط

العربية.نت
خالد عويس

04‏/01‏/2009

مصر كما ارادها نجيب محفوظ


علي الرغم من ان اديبنا الكبير الراحل نجيب محفوظ غاص بشكل لم يسبقه اليه احد من قبل في اعماق الحاره المصريه وواقع المجتمع علي مدي القرن العشرين فان هاجسه الاكبر كان هو المستقبل‏.‏ فقد تصور الفقيد العظيم صوره لمصر المستقبل‏,‏ حاول من خلال اعماله ان يرسمها علي الورق ليقراها المصريون جميعا وحبذا لو تكاتفت جهود المصريين لبناء مصر الجديده بالصوره التي ارادها نجيب مصر‏.‏ عندها سيكون هذا اكبر تكريم له لكنه سيكون ايضا اعظم خدمه يسديها المصريون لبلادهم لان رويه نجيب محفوظ لمستقبل مصر هي الكفيله بوضع هذا البلد العظيم في المكانه التي يستحقها‏.‏

ماهي رويه نجيب محفوظ؟ لقد نثر الكاتب الكبير بذور هذه الرويه في ثنايا اعماله الروائيه العديده التي عبرت عن مصر والمصريين خلال المائه عام الماضيه‏,‏ كما لم تعبر الدراسات التاريخيه وكتابات المورخين بحيث اصبح محفوظ وبحق هو مقريزي او جبرتي مصر في القرن العشرين‏.‏

واول عناصر هذه الرويه المحفوظيه ان مصر بلد متسامح مع نفسه ومع الاخرين وان ذلك من اهم الاسهامات التي قدمتها مصر للعالم ولذلك‏,‏ فان التسامح يجب ان يكون عنوان العلاقه بين المصريين جميعا دون تمييز‏.‏ ثم ان مصر لا مستقبل لها دون ان تكون ليبراليه ديمقراطيه يتمتع ابناوها بالحريه السياسيه وتكون لديهم القدره علي اختيار حكامهم‏.‏ وهذه الحريه هي شرط اساسي ولازم للابداع والتقدم‏.‏ وفي هذا العنصر‏,‏ فان نجيب محفوظ ظل ابنا مخلصا لقيم الليبراليه التي تربي عليها في اجواء ثوره‏1919‏ وما بعدها والتي بنت خلالها مصر نهضتها التي قامت علي اكتاف نخبه غير مسبوقه او لاحقه من المفكرين والادباء والكتاب والعلماء‏.‏

العنصر الاخر الاهم في رويه نجيب محفوظ هو اهتمامه الشديد والعميق بالعلم واهميته في تقدم الامم‏,‏ والعلم الذي عناه الاديب الراحل لم يكن مجرد النظريات والتقنيات علي اهميتها ولكن التعامل مع كل قضايا المجتمع بشكل علمي منهجي وان يكون هذا العلم هو رائدنا في التعامل مع كل ما يدور في حياتنا‏,‏ وقد اوضح الكاتب الكبير هذه الرويه في عده اعمال شهيره‏

قضايا و اراء
راي الاهرام

29‏/12‏/2008

قصر بشتاك


اختارت وزارة الثقافة المصرية قصر الأمير بشتاك لتحويله إلى متحف يحمل اسم الأديب العالمي الراحل نجيب محفوظ، ويضم مقتنياته الشخصية ومؤلفاته القصصية والروائية.

وسيكون المتحف نواة لمركز ثقافي متنوع الأنشطة، في الوقت الذي سيتم فيه تحويل "أماكن نجيب محفوظ" إلى "مزارات سياحية"، وهي الأماكن التي كتب محفوظ عنها، وكذلك تلك التي كان يتردد عليها بانتظام، وسيعتبر بمثابة مركز لأنشطة متصلة بالأدب عموماً، ومن أهم ما يضمه المتحف "قلادة النيل" التي حصل عليها عقب فوزه بجائزة نوبل وتعد هذه القلادة أرفع وسام تمنحه الدولة المصرية.

وسيهدي محمد سلماوي، رئيس اتحاد الكتاب المصريين والعرب، المتحف نصوصاً بخط نجيب محفوظ، فضلاً عن تسجيلات بصوته عندما كان يملي عليه نصوص "أحلام فترة النقاهة"، التي توالى نشرها في أعقاب محاولة اغتياله عام 1994، وكذلك العصا التي كان يتكئ عليها بعد تعافيه من آثار ذلك الحادث

وجاء اختيار قصر بشتاك الأثري، ليكون متحفاً للأديب الراحل، حيث يقع على بعد خطوات من المكان الذي ولد فيه نجيب محفوظ ويتوسط منطقة الجمالية التي كانت حاراتها مسرحا لعدد كبير من أعماله القصصية والروائية، ومنها خان الخليلي وثلاثية بين القصرين، السكرية وقصر الشوق

وحسب الآثاريين أنفسهم، فإن القصر يمثل قيمة معمارية وجمالية نادرة في القاهرة الفاطمية، حيث يقع في شارع بين القصرين، وهو الشارع الذي يضم العديد من المباني والبيوت التي ترجع إلى العصرين المملوكي والفاطمي

منتديات الخليج العربية

أهم أعياد ميلاد الأديب الراحل


افتتح محافظ القاهرة الدكتور عبد العظيم وزير الحديقة المسماة باسم الأديب العالمى نجيب محفوظ بحى مدينة نصر بعد تطويرها وتحويلها إلى حديقة ثقافية زودت بمكتبتين إحداهما لبيع كتب وروايات نجيب محفوظ وما كتب عن حياته والاخرى مخصصة للاستعارة والقراءة داخل الحديقة

وتقع الحديقة على مساحة نحو 5ر2 فدان قامت هيئة نظافة وتجميل القاهرة بإعادة تطويرها وإنشاء سور مبانى حولها وتزويدها بمقاعد وبرجولات لجلوس مرتادى الحديقة

يأتى الافتتاح فى إطار الاحتفال الذى تنظمه المحافظة فى ذكرى تاريخ ميلاد الأديب العالمى التى توافق 11 ديسمبر من كل عام

وشهد المحافظ فى إطار هذه الاحتفالية ندوة ثقافية بقاعة نجيب محفوظ بوكالة الخروب بشارع المعز لدين الله الفاطمى حضرها نخبة من الأدباء والمثقفين محبى أدب نجيب محفوط وأدارها الأديبان يوسف القعيد وسعيد شكرى

وأكد عبدالعظيم وزير - فى كلمته - أن محفوظ أخرج الأدب العربى للعالمية مشيرا إلى أن الاحتفال بمحفوظ يأتى للحفاظ على الرموز الثقافية والوطنية وتخليد ذكراها وأنه سوف يتم تطوير الأماكن والمواقع التى خلدها نجيب محفوظ فى رواياته مثل زقاق المدق والسكرية من خلال خطة مستقبلية لوضع المزارات الأدبية لنجيب محفوظ على الخريطة الثقافية والسياحية.

وأشار المحافظ إلى الانتهاء من شارع المعز لدين الله الفاطمى الذى تم تطويره بالتعاون مع وزارة الثقافة وتحويله إلى متحف اسلامى مفتوح وارتباط الكاتب الكبير بهذا الشارع ومتفرعاته والشوارع المحيطة به.
واقترح المحافظ إقامة الصالون الثقافى لنجيب محفوظ شهريا حيث يتم خلاله استضافة مريدى ومحبى أدب نجيب محفوظ والتواصل فى مناقشة أعماله وتفسيرها وإبراز رؤية الأديب الراحل للمرأة والحركة الوطنية والقاهرة فى مختلف رواياته وأدبه من أجل زيادة الوعى الثقافى لدى الشباب والنشء

من جانب أكد الكاتب الكبير يوسف القعيد أن هذه الأيام تشهد أهم أعياد ميلاد الأديب الراحل حيث تم افتتاح حديقة تحمل اسمه وتأسيس قاعة يعقد بها صالونه الثقافى بشكل دورى ..متمنيا أن يكون هذا الاهتمام مجرد خطوة أولى وبداية لمواصلة النشاط الثقافى المرتبط باسم أديب نوبل كقدوة ونموذج للاجيال القادمة

EGYNews.net

27‏/12‏/2008

عالم محفوظ السحري يزول من القاهرة


لم يكن المقهي بالنسبة لنجيب محفوظ مجرد مكان للمسامرة والمرح ولم يكن أيضا مجرد خلفية باهتة للمثقف المتأمل الحكيم
كان حياة كاملة اندمج فيها محفوظ مختلطا بنبضها فهو علي اية حال ليس سارتر المثقف الباريسي في علاقته بالمقهي وليس توفيق الحكيم المتأثر بالثقافة الغربية.. هو 'ابن بلد' داس الحياة بكل ما فيها واختار المقاهي وطنا دائما له ابتداء من مقاهي الحسين القديمة مرورا بقهوة عرابي ثم كازينو صفية حلمي بالاوبرا وكافيه ريش وسفنكس وركس والفيشاوي ولا باس وجروبي وعلي بابا وقصر النيل وصولا إلي الفنادق المغلقة التي اضطر إليها بعد واقعة الاعتداء عليه
مشاهد وأشخاص وأطياف تمر بذهنه وهو ينفث دخان سيجارته بأحد المقاهي فيحولها الي قصص وروايات متوهجة بالفن
الآن لو حاولت أن تتبع أثر نجيب محفوظ متجولا في مقاهيه الاثيرة سوف تصدم بكل تأكيد. ستكتشف أن عالمه قد زال تماما من أرض الواقع وإن كان سيبقي شامخا في ابداعه. فالقاهرة التي عاش بها محفوظ وارتاد مقاهيها مدينة أخري بعيدة تماما عن القاهرة التي نعرفها الآن وتكاد توشك علي الاختناق
تسربت المدينة القديمة ذات الطابع الكوزمو بوليتاني المنفتح من بين أصابعنا دون أن نشعر بها لنفيق علي أخري مختلفة تماما تلاشت منها أماكن محفوظ إلي الابد
فمقهي عرابي بميدان الجيش بالعباسية هدم وقام مكانه معرض للأثاث وكازيو صفية حلمي بميدان الاوبرا تحول الي مكتب للصرافة وتغيير العملات! أما ميدان الاوبرا نفسه والذي كان كل ركن فيه ينطق بالجمال والبهاء فقد تحول الي مكان خال من الروح كأن حريق الاوبرا الشهير قد أتي علي روح الاشياء فيه
مقهي سفنكس الشهير المواجه لسينما راديو أصبح محل 'أولاد يحيي' للأحذية ومقهي ركس بشارع عماد الدين تحول الي 'مصطفي علي' للأدوات الكهربائية أما عن جروبي ولاباس وعلي فلم تعد نفس الاماكن القديمة بل صارت أخري هجين مثل معظم الأشياء حولنا

منصورة عز الدين

14‏/12‏/2008

دروس نجيب محفوظ الأخرى


كيف استطاع نجيب محفوظ أن‮ ‬يصل بالرواية إلى هذه المكانة المهيبة والكبيرة؟ هو الموظف الحكومي‮ ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يتفرغ‮ ‬للأدب؟ كيف‮ ‬يحرز رجل‮ ‬غير متفرغ‮ ‬جائزة عالمية‮ ‬يعجز عن نيلها رجال متفرغون؟ كان نجيب محفوظ‮ ‬يلقن الأجيال الجديدة من الكتاب دروسه الأخرى‮. ‬المقربون من محفوظ‮ ‬يذكرون انه نظم حياته بحيث تصبح الكتابة هي‮ ‬محورها‮. ‬نظم الكتابة،‮ ‬وجعل لها وقتاً‮ ‬محدداً‮ ‬‭‬وقد عابه‮ ‬يوسف ادريس على ذلك‭.‬ ‬وجعل لكل رواية ملفاً،‮ ‬وجلس ساعات كل‮ ‬يوم لخوض معركة الكتابة‮. ‬لم‮ ‬يعتمد محفوظ على موهبته فقط،‮ ‬بل اعتمد معها على جهده‮. ‬وجعل شغله الشاغل أن‮ ‬يكتب‮. ‬كانت الكتابة بالنسبة له هي‮ ‬الأصل والأشياء الأخرى هي‮ ‬التفاصيل‮. ‬بدأ محفوظ بذلك‮ ‬يلقن دروسه في‮ ‬الكتابة لأجيال لا تعرف تفاصيل وعادات الكتابة والرواية‮. ‬لم‮ ‬يعتمد محفوظ على الوحي‮ ‬الذي‮ ‬يهبط على الشاعر،‮ ‬إن صراعه‮ ‬يختلف فهو ليس شاعراً‮ ‬بل روائياً‮ ‬يواجه آلاف الصفحات الفارغة ويملأها ضجيجاً‮. ‬هكذا أنتجت هذه الخبرة معنى الإخلاص للكتابة والولاء لها‮: ‬لكن هذا درس واحد من دروس نجيب محفوظ الأخرى‮. ‬
ما الدروس الأخرى؟

نجيب محفوظ ظل مثقفاً‮ ‬منحازاً‮ ‬للناس ولم‮ ‬يلوث حياته بعطايا السلطة وصدقاتها ومنحها ومقاعدها ووعودها وهداياها‮. ‬ولا أحد‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يتجاهل صعوبة الانسياب والانعطاف بعيداً‮ ‬عن رغبات السلطة وأهدافها في‮ ‬مجتمع تدور فيه صراعات شتى‮. ‬ظل نجيب محفوظ زهاء قرن ذلك الموظف البسيط الذي‮ ‬يكتب عن الناس،‮ ‬ويتحاشى أن‮ ‬يكون أداة في‮ ‬يد احد‮. ‬ظل حراً‮ ‬فيما‮ ‬يكتب بعيدا عن تأثير الأهواء الشخصية والرغبات والملذات الخاصة التي‮ ‬عصفت بالكثير من المواهب وحولتهم إلى ندل وخدم للسلطة،‮ ‬وفي‮ ‬أضعف الأحوال جعلت من كتاباتهم كذبة مستمرة متلونة لا صدق فيها ولا خيال‮. ‬من ذلك كتب نجيب محفوظ تحت لهب النفس والروح الخلاقة الإنسانية التي‮ ‬تنشد إصلاح العالم والانحياز للخير والمنفعة العامة‮. ‬كتب بدمه،‮ ‬وشعرنا بحرارة دمه على الورق،‮ ‬ونزف حزناً‮ ‬وألماً‮ ‬وفرحاً‮ ‬في‮ ‬حالات مختلفة‮. ‬كانت مصر في‮ ‬أحشائه قبل كل شيء‮. ‬وكان الناس دائه،‮ ‬وكانت الكتابة دواءه‮. ‬ومثل المعري‮ ‬الذي‮ ‬بسط وقته للعلم والتأليف عاش زاهداً‮ ‬في‮ ‬الدنيا طالباً‮ ‬الكتابة‮. ‬ربما هذا ما جعل من نجيب محفوظ شخصية تاريخية اجتمعت فيها شمائل كثيرة لم تلتق عند كاتب واحد

محمد عبد الملك
جريد ة الوطن البحرينية